علي بن أحمد المهائمي

550

خصوص النعم في شرح فصوص الحكم

المراد بها رقة القلب ، أو إرادة الإنعام . ( فهي على الحقيقة ) « 1 » باعتبار تعلقها بالمرحوم ( نسبة من الراحم ) إليه ، وهي من المعدومات ، ( وهي ) أي : وتلك ( النسبة ) التي هي من المفهوم الحقيقي للرحمة هي ( الموجبة للحكم ) الذي هو تأثير الرحمة بتحصيل الأمر المرحوم به ، وهو الإنعام أو الإيجاد ، وبتسمية من ذكرته بالمرحوم ، ومن صدرت منه بالرحيم أو الرحم ، إذ لا توجبها الإرادة والرقة ، إذ لا تعدي لهما إلى المرحوم ، ولا المرحوم به ، فكيف لا يكون الراحم المتضمن لهذه النسبة من الأحوال مع تضمنه نسبة هذه النسبة إلى الذات ، ثم إن الذات وإن وصفت بالراحمية ، فراحميتها بواسطة الرحمة ؛ فهي سبب قريب ( فهي الراحمة ) ، فمفهومها الحقيقي عين النسبة ، لكن لهذه النسبة نسبة إلى الذات بغرضيها ؛ فهي من الأحوال بلا شكّ . ثم استشعر سؤالا بأنها لو كان مفهومها الحقيقي نسبة لكانت حادثة ؛ لتأخرها عن المنتسبين ، ولا يختلف هذا المفهوم في حق اللّه تعالى ، وحق الخلق ، فيلزم ألا يكون الحق رحما ، لكنه خلاف ما أجمع عليه الطوائف ممن أقر بالصانع سيما في الرحمة الإيجادية . فأجاب عنه بقوله : ( والذي أوجدها ) باعتبار هذا المفهوم ( في المرحوم ) في الرحمة التي أثرها عن سؤاله ( ما أوجدها ؛ ليرحمه بها ) ، أي : ليصير الموجود راحما بها ، ( وإنما أوجدها ليرحم بها من قامت به ) ، أي : ليصير من قامت به راحما بها على نفسه ، فكذا الرحمة الإيجادية التي أثرها بغير سؤال من المرحوم ، يوجدها الحق في العين الثابتة للمرحوم ؛ ليرحم بها المرحوم على نفسه بإيجادها ، كما قلنا فيما تقدم : إن التكوين للشيء من نفسه بأمر ربه إذ هو ممتثل لأمره في ذلك ، وإلا فكيف يكون الحق موجدا للرحمة الإيجادية في نفسه ، وهي حادثة باعتبار مفهومها الذي لا يختلف ، ( وهو سبحانه ليس بمحل للحوادث ، فليس بمحل « 2 » لإيجاد الرحمة فيه ) التي مفهومها ما ذكرنا . ولكن قد اتفق الكل على أنه ( هو الراحم ، ولا يكون الراحم راحما إلا بقيام الرحمة ) بذاته لا بإيجادها ، كما لا يكون موجود السواد في جسم أسود ؛ ولذلك قال أهل السنة : لا يكون متكلما إلا بكلام يقوم بذاته ، وأنه لا يكون بإيجاد الزنا والسرقة والكفر ، زانيا وسارقا وكافرا ، فرحمته ليس لها هذا المفهوم الذي يوجب حدوثها ، ولا شكّ أنها إذا غايرت الذات فلها هذا المفهوم ، ( فثبت أنه عين الرحمة ) ، وهي الراحمة ، فهو الراحم برحمة هي عين ذاته ليس لها مفهوم آخر ، لكن إنما تدرك عينيتها بالذوق ولا بدّ ، فالعقل لا بدّ ، وأن يتصور لها مفهوما آخر . [ ومن لم يذق هذا الأمر ، ولا كان له فيه قدم ما اجترأ أن يقول : إنّه عين الرّحمة

--> ( 1 ) في نسخة : « والرّحمة على الحقيقة » . ( 2 ) في نسخة : « بمخل » .